الصالحي الشامي

102

سبل الهدى والرشاد

رواه الطبراني في الصغير والخطابي في غريبه . قال القاضي رحمه الله تعالى : وأين هذه الألفاظ من كتابه صلى الله عليه وسلم في الصدقة لأنس المشهور ، فإنه بمحل من جزالة ألفاظ مألوفة وسلاسة تراكيب مأنوسة ، وذلك بمحل من غلاقة ألفاظ غريبة وقلالة أساليب في النطق عسرة ، لأنه لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد أي غريبا غير مألوف وكانت بلاغتهم على هذا النمط وحشيا غير مأنوس ، وكان أكثر استعمالهم هذه الألفاظ التي ليست بمألوفة ولا مأنوسة ، استعملها معهم ليبين للناس ما نزل إليهم وليحدث الناس بما يعلمون ليفهموه . وقد كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن يكلم كل ذي لغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها ، وكان أحدهم لا يجاوز لغته وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي وما ذلك منه صلى الله عليه وسلم إلا بقوة إلهية وموهبة ربانية ، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الكافة طرا وإلى الخليقة سودا وحمرا ، ولا يوجد متكلم بغير لغته إلا قاصرا في تلك الترجمة نازلا عن صاحب الأصالة في تلك ، إلا هو صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا تكلم في كل لغة من لغة العرب كان أفصح وأنصع بلغاتها منا بلغة نفسها وجدير به ذلك ، فإنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جميع القوي البشرية المحمودة ومزية على الناس بأشياء كثيرة ، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عطية السعدي رضي الله تعالى عنه قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني قال : ( ما أغناك الله فلا تسأل الناس فإن اليد العليا خير هي المنطية واليد السفلى هي المنطاة وإن مال الله مسؤول ومنطى ) ( 1 ) . قال : فكلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا . رواه الحاكم وصححه البيهقي . وقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عاصم الأشعري ( 2 ) رضي الله تعالى عنه : ( ليس من أم برام صيام في أم سفر ) . رواه عبد الرزاق والحميدي ، وابن القاسم البغوي . أي ليس من البر الصيام في السفر ، وهذه لغة صحيحة وأكثر ما يتكلم بها الأشعريون وهي في الغالب يمنية والأشعريون من اليمن ، وإنما تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة في البيان وحسن التعلم والإفهام لهم بلغتهم . وقوله في حديث العامري حين سأله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( سل عنك ) ( 3 ) . رواه أبو نعيم عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه .

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 327 وذكره السيوطي في الدر 1 / 359 . ( 2 ) كعب بن عاصم الأشعري ، يكنى أبا مالك ، صحابي نزل الشام ومصر وله حديثان . [ التقريب 2 / 134 ] . ( 3 ) ذكره المتقي الهندي في الكنز ( 3559 ) .